مفهوم إقامة الدين في القرآن الكريم
Abstract
لقد خلق الله تعالى الكون كله (السماوات، والأرض، وما بينهما) ليبلو الناس أيهم أحسن عملا، لذلك فالكون مسخّر لحركة الإنسان الكونية. المثال الديني الثاوي في القرآن الكريم، المطلوب إقامته في الواقع الاجتماعي الظرفي عبادة لله الواحد، هو ذاته الشريعة التي تعاقب بها الرسل من لدن نوح إلى محمد، صلوات الله، وسلامه عليهم أجمعين. جعل الله تعالى لكل أمة من أمم الرسل شرعة (مقاصد)، ومنهاج (وسائل) لتحقيقها تراعي شروط الزمان والمكان للمجتمع الذي يقام فيه الدين.
تعريف ما هو الدين:
للدين بعدان ضروريان، البعد الأول هو الحق الذي نزل به الوحي من عند الله تعالى، وهو علم الله، وهو المثال الذي يبين كيف يعبد الإنسان الله تعالى على الدوام، وعلى كل حال، محققا مغزى استخلافه في الأرض إلى قيام الساعة. وهذا المثال محفوظ من التحريف بحفظ الله تعالى له. والبعد الثاني هو الواقع الاجتماعي المتعبد لله تعالى بالمثال الموحى، المتوحد مع ذلك المثال دون مفارقة، على مستوى الفرد والجماعة، وهو الدين الخالص لله تعالى، وهو الذي أقامه الرسول (صلى الله عليه و سلم)، واستقام عليه ومن تاب معه.
الواقع الاجتماعي هو بالضرورة واقع متغير على الدوام، وتمظهراته التي تتبدّى، زمانا ومكانا، هي في حالة مد وجزر بلا انقطاع، مما يقتضي أن تكون الشرعة والمنهاج اللذان من خلالهما يترقى واقع اجتماعي محدد في اتجاه التوحّد مع المثال الديني الثابت، الثاوي في نصوص الوحي، مختلفين عنهما فيما بين يديه وما خلفه من واقع اجتماعي آخر بينهما أمد بعيد، ووحي جديد. وهذه المفارقة بين المثال الديني الكلي الثابت والواقع الاجتماعي الجزئي المتغير هي التي تبرر، بعد ختم الرسالات، والكتب السماوية، الاجتهاد المعرفي الدائم، صدورا عن المصادر الإسلامية للعلم لإنتاج علم تجريبي يظل به الواقع الاجتماعي الإسلامي متوحدا، أو مشدودا أبدا إلى مثاله الموحى، في الزمان والمكان.
القضية الوجودية تتعلق بطبيعة القُوى، والعوامل الفاعلة، المتفاعلة، والمشكّلة لفضاء الاجتماع الإنساني المستهدف بإقامة الدين، وقد توصل البحث، مستخدما "نظرية" عن الاجتماع الإنساني مستنبطة من القرآن الكريم، أن تلك القُوى هي: الله تعالى؛ الوحي؛ المجتمع الإنساني بقاعدته المادية؛ الشيطان، الملائكة، الكون.
الأبعاد المعرفية، والمنهجية يقصد بها علوم الدين المطلوبة لإقامة الدين في الواقع الاجتماعي الظرفي، وكيف يمكن تحصيل هذه العلوم من فضاء الاجتماع الإنساني بعوامله المتفاعلة، التي أبرزتها رؤية القرآن لعالم الاجتماع الإنساني. توصل البحث إلى أن علوم الدين، في معظمها، علوم كونية تجريبية، بعضها معياري، وبعضها تفسيري. خلص البحث أيضا إلى أنه لابد من التأسيس لعلوم توحيدية كونية تهيئ لإقامة الدين في امتداداته الكونية من الأرض جميعا(الأرضين السبع)، وتيسر للأمة الإسلامية ارتياد الفضاء، ومزاحمة من سبقوها على بصيرة.
نحن في حاجة إلى توظيف أداة "النظرية" في التعامل مع القرآن الكريم لإنتاج نظريات كليّة(رؤية للعالم) منه تجسّر المسافة بين الوحي كعلم كلي محيط، إلى قيام الساعة، بالتفاعلات الوجودية التي تحدث في فضاء الاجتماع الإنساني، وبين الواقع الاجتماعي الظرفي حيث يقام الدين، ثم الانتقال، عن طريق التنسيل، إلى نظريات أخص، تستهدف مجالا اجتماعيا بعينه، نستنبطها من النظريات الأعم، وهكذا إلى أن نصل إلى نظريات مقاربة للواقع الظرفي تسمح بتوليد فرضيات قابلة للاختبار التجريبي المباشر، تشكل اختبارا غير مباشر لصحة النظريات المستقاة من القرآن الكريم، وليس لصحة القرآن الكريم ذاته.