الدلالات الإصلاحية للتقابل والتفاعل بين خصائص النفس البشرية وكليات الدين الضرورية
Abstract
يدعو هذا البحث إلى أن تقوم الأمة الإسلامية بثلاثة إصلاحات ضرورية حتى يستقيم أمرها وينصلح حالها، وهي: الإصلاح المعرفي في مجال العلوم الكونية؛ الإصلاح التربوي لتفجير طاقات الإيمان القلبية؛ الإصلاح الإرادي لتحقيق العمل الصالح المبدع في مجال العمارة الأرضية. هذه الإصلاحات الثلاثة تتأسس على التقابل والتفاعل بين الخواص الثلاث للنفس البشرية(العقلية، الوجدانية، الإرادية)، والكليات الثلاث الضرورية لدين الإسلام(العلم، الإيمان، العمل الصالح). يبين البحث الأهمية الخاصة للقلب بمفهومه القرآني في هذه الإصلاحات الثلاثة، ويدعو إلى ضرورة إعادة اهتمام الأمة به كما كان في زاهر الحضارة الإسلامية.
ميّز البحث بين الاستخدام القرآني لكلمة "شريعة" التي تعني "الدين المشروع وحيا"، وهي "شرعة"، أي مقاصد، و"منهاج"، أي وسائل، وبين الاستخدام الاصطلاحي لكلمة "شريعة" عند الفقهاء والتي تعني "الأحكام التكليفية العملية"، وهي بهذا تقتصر على "المنهاج" دون "الشرعة". بيّن البحث خطورة هذه المفارقة في الدلالة المفاهيمية على الأمة الإسلامية، وعلى أي مشروع إسلامي معاصر، فبينما يدعو القرآن الكريم إلى "إقامة الدين" في الواقع الاجتماعي باتباع "الشريعة" بمفهومها القرآني يدعوا الفقهاء في هذا الزمان إلى تطبيق الشريعة بمعناها الاصطلاحي الذي يقتصر على الوسائل دون مقاصدها. المقاصد حاكمة ومحددة لوسائل تحقيقها، بشروط الزمان والمكان، وأهم تلك الوسائل هو "الفعل الاجتماعي" الذي تعتبر "الأحكام الشرعية" الضابط المعياري له، والفقه المؤسس على تلك الأحكام هو زاوية واحدة من زوايا النظر العلمي إلي الفعل الاجتماعي، ومن ثم فهناك علوم كونية أخرى، اجتماعية وطبيعية، ضرورية لإقامة الدين وتحقيق مقاصده في الحياة.
يؤكد البحث أن علوم الأمة التي تحتاجها لإقامة الدين في الحياة، سواء كان مصدرها الوحي، أو الكون، هي علوم كونية تجريبية، سواء كانت في مجال الظاهرة الطبيعية، أو الاجتماعية، وأن العلوم القيمية الإسلامية، بما في ذلك علم الفقه وعلم التزكية، هي أيضا علوم كونية تجريبية. تم الـتأكيد على أهمية الوحي كمصدر للعلم الكوني وفلسفته، باعتبار أن العلم التوحيدي هو ذلك الذي يحقق الإيمان في القلب والعمل الصالح في الأرض.
ختم البحث بخمس توصيات هي: أولا؛ إعادة النظر في فهمنا لحقيقة ديننا، والأبعاد الزمانية والمكانية التي يتحقق فيها الاستخلاف التوحيدي، ومن ثم المنهج المناسب لإقامة الدين في الحياة، بشروط الزمان والمكان. ثانيا؛ إعادة ترتيب الأولويات العلمية والتعليمية والتربوية، وربط المناهج الدراسية بالنظر الكوني القرآني كفلسفة للعلم، ودعم المؤسسات التعليمية بالمراصد وتكنولوجيا العلوم الكونية، وبث ثقافة العلم الكوني في المجتمع. ثالثا؛ تهيئة الأمة الإسلامية للتطلع إلى اللحاق بركب السابقين إلى الفضاء الكوني للقيام بواجب الاستخلاف التوحيدي في الأرض جميعا. رابعا؛ إن العلم والتقنية العظيمة التي سوف يمتلكها من يستطيعون الوصول إلى أقطار السماوات والأرض، وكذلك الموارد الفضائية التي سوف تكون تحت تصرفهم تجعلهم قادرين، من مكان بعيد، على فعل ما يشاؤون بمن أخلد إلى هذه الأرض التي نحن فيها الآن. ولما كان من يكنّون العداء للإسلام والمسلمين هم المبادرون الآن إلى الفضاء فإن مصائب عظيمة تنتظر الأمة الإسلامية إن هي ظلت مع القاعدين. خامسا؛ لابد من إعادة النظر الجدّي في حقيقة علوم الدين، فكل علم ضروري لإقامة الدين فهو علم شرعي.