النزعة الإنسانية في شعر  إيليا أبي ماضي

 

د. ميرغني حمد ميرغني 1

 

المستخلص

 

                  هدفت الدراسة إلى دراسة النزعة الإنسانية في شعر إيليا أبي ماضي. ولأن له نزعة تأملية خالصة تسمو على كل النزعات وروحاً عالياً يفوق كل الأرواح، إنه يحب الناس ويحب الحياة التي أوجدتهم ويدعوهم جميعاً إلى محبتها ففيها خيرٌ وفيها جمال، ومن هنا جاءت نظرته الباسمة التي ميزت شعره بمعانٍ إنسانيةٍ سامية، وقد اتبع الباحث المنهج الوصفي التحليلي  و توصلت  الدراسة إلى جملة من النتائج منها : في شعر أبي ماضي قيم فاضلة كالتسامح والحرية والتفاؤل ومساعدة الفقراء ، وقد صاغ ذلك في شعرٍ بديعٍ رصين ، يدل على معانٍ إنسانية خالصة وأوضحت الدراسة أن أبا ماضي له قصائد غنية بالجمال، نابضة بالشعور والحياة، يجد فيها المحزون سلوى، والمحروم أملاً، والمتعب ترويحاً، فهي من الحياة وإلى الحياة، ولا شك أنها تحمل قيم إنسانية فاضلة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


1  أستاذ مساعد جامعة كسلا – كلية التربية

 

 

 

مولد إيليا ونشأته ومؤلفاته:

مولده:

هنالك اختلاف غير قليل في السنة التي رأى فيها أبو ماضي نور الوجود: فجريدة (السائح) في عددها الممتاز لعام 1927م تذكر أنه ولد عام 1889م، وهي حتماً لم تأت بهذا التاريخ اعتباطاً، لعضو من أبرز أعضاء الرابطة القلمية التي كانت (السائح) لسانها الرسمي، وندوتها الفكرية، فلا بد أنها أخذته من الشاعر نفسه، ولذلك ظل تاريخ (السائح) هو التاريخ الذي يعتمد عليه كل من يكتب عن إيليا أبي ماضي، ويتعرض لتاريخ مولده.

غير أن الأستاذ محمد قره في مقاليه المنشورين في جريدة (الحياة) اللبنانية على أثر وفاة الشاعر، يقول أنه قد سأله عن تاريخ مولده، حين زار لبنان عام 1948م، فأجابه أبو ماضي بأنه ولد عام 1980م– وهذا خطأ طباعي واضح، وهو حتماً يقصد 1890م– والفرق بين هذا التاريخ والتاريخ الذي ذكرته (السائح) عام واحد، مع أن المصدر في التاريخين هو الشاعر نفسه.

أما الاستاذ جورج صيدح (صيدح، 1956) في كتابه: (أدبنا وأدباؤنا في المهجر)، فقد ذكر أن أبا ماضي ولد عام 1891م. وهنا يزيد الفرق عاماً آخر.

ويقول عيسى الناعوري في كتابه أدب المهجر: (ولسنا ندري على أي سند اعتمد الأستاذ صيدح في هذا التاريخ، مع أنه هو نفسه يشير في هامش الصفحة عينها (253) إلى رواية جريدة (السائح). وإذن لا بد من أن يكون قد استند هو أيضاً إلى مصدر جدير بالثقة، وإلا فإنه لا يجرؤ من عند نفسه على مخالفة مصدر يعرف مدى صلته بأبي ماضي) [1]

ثم تجيء رواية رابعة، فحين نعت جريدة (الحياة) أبا ماضي في 24/11/1957م، ذكرت أنه ولد عام 1894م، وكذلك ذكرت جميع الصحف والإذاعات التي أذاعت نبأ وفاته أنه قد توفي عن 64 عاماً. وإذن تكون كلها متفقة على أن عام 1894م هو التاريخ الصحيح لمولده، مع أنه يبعد خمس سنوات عن التاريخ الأول الذي جاء في رواية (السائح).

هذا ويستغرب الباحثون لهذا التضارب فيقول الناعوري: (وغريب جداً أن تتضارب الروايات إلى هذا الحد في مولد شاعر عظيم كأبي ماضي، كان إلى الأمس القريب جداً ملء السمع والبصر والقلب، وليس غريباً إذن أن تتضارب الروايات في التاريخ لإنسان ممن عاشوا في العصور المتقدمة). [2]

أما مسقط رأس أبي ماضي والقرية التي تفتحت عيناه على جمالها وروعة مناظرها، فهي قرية (المحيدثة) جارة بكفيا ، والتي تجثو عند أقدامها التلال والأودية، وأشجار الصنوبر والسنديان المتعالية على السفوح والهضاب .[3]

مؤلفاته :

ترك لنا أبو ماضي خمسة دواوين، وهي: تذكار الماضي، الإسكندرية1911م، ديوان أبي ماضي، نيويورك 1918م مع مقدمة خليل جبران. الجداول ، نيويورك، مطبعة مرآة الغرب1927م. الخمائل نيويورك1947م . تبروتراب ، بيروت دار العلم للملايين1960م.

ثقافة إيليا أبي ماضي وتجاربه في الحياة :

ما من شاعر إلا تتضافر مجموعة من العوامل على تكوين ثقافته ، شأنه في ذلك شأن كل انسان ، إلا أن الشعراء بما أوتوا من موهبة مميزة ونفوس حساسة أشد تأثيراً بتلك العوامل وأكثر مقدرة على التفاعل معها والتعبير عنها .

أول هذه العوامل ولادة شاعرنا في بيئة قوية خلابة الجمال حيث سلخ شطراً من صباه فرأى الدوالي تتعرش والعناقيد تتدلى والثمار تتكور، والياسمين يتعرج، والورد يفوح، والطيور تتنقل من فنن إلى فنن، والجمال يختلي بالطبيعة ويزاملها ويخادنها .

شهد الأعراس والمآتم، وشهد الإنسان يشارك أخاه الإنسان في فرحه وترحه، كما شاهده يكيد له ويعمل على الإيقاع به ، فانطبعت هذه الأمور جميعاً في ذاكرة الصبي الشاعر ولم تفارقه طوال حياته ووجدت لها متنفساً في شعره.

وثاني هذه العوامل هجرة تطول وتمتد حتى تكتنف العمر وتلتف على أعناق السنين في وقت ما انفك القلب مشدوداً إلى الوطن، وإذا كان لبنان عند أدباء المهجر أرضاً وتلالاً وهضاباً ونسيماً وغاباً وماء، وإنساناً يسامر الطبيعة البريئة، وأما تترصد ساعي البريد ويهفو قلبها لكل وافد، فقد كان لبنان عندهم ذكرى تنهش الفؤاد وتذيب الحشاشة وفكرة شعرية لا تنفك تحوم على ملة  القلم:

وطني ستبقى الأرضُ عندي كلّها     حتى أعودَ إليهِ أرضَ التيهِ [4]

ثالث هذه العوامل ثقافة عميقة واسعة متعددة المصادر متنوعة المشارب، فقد أكب أبو ماضي منذ نعومة أظافره على المطالعة بشغف فكان يلتهم كل كتاب يقع بين يديه .

وقد أولع شاعرنا بقراءة كتب التراث ، واطلع على الأديان وأفاد إفادة كبرى من الحركة الثقافية الناشطة التي عرفتها مصر في بداية القرن العشرين .

ومن يعد إلى شعر أبي ماضي لا يجد عناء في ملاحظة أثر القرآن الكريم على شعره ، بل إن في قصيدته (كلوا واشربوا) الكثير من العبارات والمعاني المقتبسة من القرآن الكريم, انظر للعبارات (كذا وَعدَ الله أهلَ التُّقى), (وأنتمْ هم ، أيها ، المتعبونْ), (ألا تؤمنونَ بقولِ الكتابِ؟),      (فويلٌ لكمْ إنكمْ كافرونْ !), فنجده يقول:

 ولا يُحــــزننّـــــكمُ موتُــــــــــهمْ                        فإنّهمُ للـــــــــــــــــــــــــردى يُولــــــــدونْ

 وقولــــــوا كذا قد أرادً الإلـــهُ                   وإنْ قــــــــدّرً اللهُ شيــــــــئاً يكونْ

ويا فقـــــــراءُ لماذا التشكّي ؟                     ألا تستحونً ؟ ألا تخجلونْ

دعــــــوا الأغنيـــــاءً ولذّاتِــهِمْ                       فهمْ مثـــــــــــــــلُ لذّاتــــــهمْ زائلــــونْ

سيمسُون في "سقرٍ"خالدينَ                 وتُمسونَ في جنّةٍ تَنْعمـــــــونْ

فلا تعطشونَ ، ولا تسغبونَ ،               ولا يرتــوونَ ، ولا يشبـــعونْ

لكُمْ وحدَكمْ ملكوتُ الســـماءِ                فما بالُكُمْ لستــــمْ تقنــــعونْ ؟

فلا تحزنوا أنكم ســـــــاهرونَ                   فسوف تنامون ملء الجفونْ

ستتّكئونَ معَ الأنبيــــــــــــــــاءِ                       تظلّـــلكُمْ وارفـــــاتُ الغصـــونْ

يضوعُ السّنا حولكُمْ بالشّذى               وتجـــري الطّلا أنهــراً وعيونْ

وتسقيكمُ الخمرَ حُوْرٌ حسانٌ              كما يشتهينَ، كما تشتهونْ [5]

 

ومن خلال الأبيات السابقة يلحظ الباحث أن النزعة الإنسانية تتجلى بمعانيها السامية في دعوة أبى ماضي لمساعدة البائسين الذين تخلى عنهم الحظ ، والإنسانية تدفع إلى الشعور بالطمأنينة والرضى بما تقسمه الأيام . [6]

والتأمل في النفس وخوالجها وحقائقها، وفي الطبيعة وما وراءها، وفي الحياة وأسرارها، وفي الوجود وألغازه، وفي الفناء والخلود، من أهم ما يميز شعر أبي ماضي، الذي اتجه لاستجلاء الغوامض، واستكشاف الأسرار، واستظهار الخفايا، وحاول أن يستشف الحجب، وأن يحل الألغاز، فحلق بأخيلته في آفاق مجهولة ، وعوامل غير منظورة ، يحدوه الشك الباحث عن الحقيقة، المتطلع إلى تحقيق مثل إنسانية خالدة لا تحجبها الأوهام والظنون .[7]

ولإيليا أبى ماضي نزعة إنسانية تميز شعره ،وله خبرة في الحياة، يقول عيسى الناعوري:(إن الذين يعانقون الثرى في شقاء طويل ثم يرتفعون عنه بجهادهم الشخصي حتي يعانقوا السحاب ويتربعوا على الذرى هم الصفوة الممتازة من البشر).[8]

 ويرى الباحث أن قول الناعوري يتوافق وشخصية أبي ماضي ذلك الشاعر العصامي الذي نبتت شاعريته بين هدير امواج البحر وضجيج الشاطئ الزاخر، ونداءات الباعة المتجولين، وشذا العطور العبقة.

 مفهوم النزعة الإنسانية:

بالرجوع إلى المعاجم العربية تبين للباحث أن كلمة نزعة تعنى(نزعت الشيء من مكانه أنزعه نزعاً: قلعته، ونزع فلان إلى أهله، أي اشتاق، وبعير نازع وناقة نازع، إذا حنت إلى وطنها ومرعاها).[9]

فالإنسانية هي: مجموع الطبائع المشتركة بين الناس وهى طبائع تجعل الإنسان متميزاً عن الحيوان ويعد درس الآداب ، أو الاشتغال بالفنون مغذيا لهذه الطبائع وهى طيبة خلقية معبر عنها بمختلف أساليب القول، والعمل والمواقف من الاخرين وهى الشعور الكلى العميق المطلق بأن الإنسان واحد على اختلاف الألوان والسلالات والأوطان وبأنه أكرم المخلوقات وأشرفها وأعظمها وأسماها. [10]

ويرى فوزى المعارف إن الإنسانية ماهي إلا شعور الإنسان بكل ما في هذا التعبير من شمول شعور الإنسان مع الحيوان والنبات، وأحياناً شعوره بدافع الألفة مع الجماد.[11]

يقول (صيدح) عن الإنسانية (لقد عرفتها عن طريق ضميري ووجداني، فهي شعور غريزي يربط الإنسان مع جميع خلق الله ، وهى عمل إيجابي وسعى صادق لخدمة البشرية ).

إذا يعتبر صيدح الإنسانية رابطة تضامن غريزية تضم جميع الخلق بصلة القرابة التي تدعو تبعاً للإحساس بها إلى العمل الإيجابي من أجل الجميع في حدود الإمكانيات المتاحة للفرد الإنساني.

مما سبق يرى الباحث إن الإنسانية شعور داخلي في الإنسان يجعله يحس ويتعاطف مع من حوله من البشر بغض النظر عن الدين والعرق ويتفاعل مع كل ما في الكون من جماد وحيوان وغيره، وقد لمس الباحث هذه الأحاسيس والمشاعر في شعر أبى ماضي.

وللنزعة الإنسانية أهداف وغايات فهي تبعث القيم الإنسانية المنتزعة من تجارب الناس وعلاقاتهم مع الطبيعة ومع بعضهم البعض، وهى دليل صادق على ما في الحياة من خير .[12]

ومن غاياتها كذلك أنها تتسع لكل ما في الوجود الإنساني من مشاعر نبيلة ومعانى روحية ترتفع بالإنسان إلى افاق سماوية عليا، وتحرر من قيود المادة التي تلصقه بالأرض التي تموج بالمطامع والشهوات. [13]

والهدف من النزعة الإنسانية أنها رسالة اجتماعية تدعو الى اصلاح المجتمع والنهوض به، وهى ثورة ضد التعصب وما يدور في المجتمع من فوارق وتسعى الى مجتمع مثالي ينعم جميع افراده بالحب والمودة ويشاركون الناس أفراحهم وأحزانهم وفى كل شيء يتعلق بحياتهم لأنها مشاركة صادقة نابعة من أعماق وجدانهم، أخذ الشاعر إيليا صورها من الحياة القاسية التي عاشها في المهجر ، فصور النواحي الاجتماعية في أروع صورها.[14]

   فالغاية الإنسانية عند إيليا أبى ماضي تدعو إلى المحبة الأخوية الصادقة بين أفراد المجتمع وقلوبهم تفيض بحب الخير فهي صافية طاهرة خالية من الخصومات، وقد صور هذه الغاية تصويرا بديعاً في شعره. 

نظرة إيليا أبي ماضي للحياة

مظاهر الحياة متشعبة متشابكة لا تكاد تقوى على فصل بعضها عن بعض لتحديد رأي الشاعر في كل مظهر من مظاهرها؛ فالحياة من حيث هي خير وبركة، أو شر وسوء، أو اضطراب وخوف، أو هدوء وطمأنينة.

والحياة من حيث ناسها ومعاملاتهم وأحلامهم وطباعهم التي طبعوا عليها، كل هذه تشتبك عند الشاعر اشتباك الحياة بمظاهرها.

وعند إيليا أبي ماضي نزعة إنسانية خالصة تسمو كل النزعات، وروحاً عالياً يفوق كل الأرواح، إنه يحب الناس ويحب الحياة التي أوجدتهم ويدعوهم جميعاً إلى محبتها ففيها خير وفيها جمال. ومن هنا جاءت نظرته الباسمة وروحه المتفائلة التي فاض تفاؤلها فغطى على كل ميزة أخرى ميزت شعره وطغى على كل صفة يمكن أن نطلقها عليه.

 

 

 

التفاؤل :

         التفاؤل يدل على أن هذه الصفة نابعة من نفسه، مسيطرة على كل جوارحه، ففي قصيدته

( فلسفة الحياة ) يبسط لنا هذه النظرية التفاؤلية الباسمة بشتى نواحيها وأوضح طرقها، ويلخصها لنا في قوله: ( كن جميلاً ترى الوجود جميلاً ).

إنه يكره الشكوى ويبغض التحسر والأنين إذا كان هناك سبب للشكوى وعلة للألم، فكيف إن لم يكن هنالك علة ولا سبب ؟ إنه يمقت ذلك الشخص الذي اعتاد الشكوى واستمرأ الأنين حتى أصبحت تلك عادة متأصلة في نفسه لا يمكنه تغييرها ، ولذلك فهو يقول له :

 أيُّهذا الشَّـــــــاكي وما بــــــك داءٌ                    كيفَ تغدُو إذا غدوتَ عليلا ؟

إنَّ شرَّ الجُناةِ في الأرضِ نفسٌ                   تَتوقَّى ، قبلَ الرحيل الرَّحيــــلا

وترى الشَّوكَ في الوُرود، وتَعمَى              أن تَرى فَوقَها الندى إكليــــــــــلا [15]

فأبو ماضي يحب الحياة ، ولا يرى في الحياة إلا ما هو جميل يسر العين ويفرح القلب، وما أجمل أن يتعامى المرء عن المناظر القبيحة والفصول المؤلمة، حتى لا يعود يرى إلا الحسن فيقول:

   والـــــــــــــذي نفسُـــــــــــهُ بغيرِ جَمالٍ            لا يَرى في الوُجودِ شيئاً جَميلا

   ليسَ أشقَى ممَّن يَرى العيشَ مُراً            ويظُنُّ اللــــــَّذاتِ فيــــه فُضُـــــــولا[16]

والقصيدة كلها تسير على هذا النغم الباسم المشرق والمعاني الإنسانية السامية.

وأبو ماضي يقابل المشاكل والمحن بثغر باسم ووجه مشرق وعزيمة وأمل، فهو يقول في موقف الوداع، وقد جعل قصيدته بعنوان ( وداعٌ وشكوى ):

يا صاحبيَّ تَصـــــبَّرا فَلـــــــــرُبَّما          عُدنا وعادَ الشَّملُ أبْهَى رَونَقا

إنْ كانتِ الأيامُ لم ترفُقْ بِنــــــا          فَمِن النُّهى بنفوسنا أنْ نَرفُقــا

إنَّ الذي قدَرَ القطيعةَ والنَّوى          في وُسعِهِ أن يَجمعَ المتفرّقـــا! [17]

ويقول في قصيدة أخرى بعنوان: ( يا صاح ) ما يدل على نظرته الواقعية إلى الحياة وصبره ورضاه دائماً:

خَلِّ البُكــــــَا يا صاحِبي والأســــى        اللَّيلُ لا يُقْصِيهِ عَنكَ النَّحيبْ

لا خَيْرَ في الشَّيء انقَضَى وَقْتُهُ        ما لقَتيلٍ حاجَـــةٌ بالطــــبيبِ ! [18]

وتظهر هذه النظرة الواقعية عنده أيضاً في قصيدته التي عنوانها : ( كم تشتكي ) وهي من روائع شعره إذ يقول :

إنْ كنتَ مكتئباً لعزّ قـــــد مضـــــى              هيهات يُرجــــــعهُ إليك تَنَــــدُّم

أو كنتَ تُشفِقُ من حلولِ مصيبةٍ           هيهات يمنعُ أن يُحلَّ تجهُّم

أو كنتَ جاوزتَ الشبابَ فلا تقُلْ           شاخَ الزمـــانُ فإنَّه لا يـــهرمُ [19]

وهو يدعو هذا الرجل الخاسر الحزين أو الخائف المشفق أن ينظر في مظاهر الطبيعة الجميلة بما فيها من أشجار باسقة وعيون دافقة وجداول رقراقة وهضاب متسامية ، وليتمعن في هذه الدقائق والتفاصيل فإنه سيرى في كل منها سحراً حلالاً وآيات عجاباً، وهو لن يملك بإزائها إلا الاغتباط والاستبشار.

وفي دواوينه مجموعة من هذا الشعر المتفائل المبهج، يردد فيه أبو ماضي دعوته الناس إلى الابتسام والتفاؤل والنظر إلى الدنيا بمنظار جميل زاه لونه يجعلها تبدو وكأنها قطع من الجمال لا شيء فيها من البشاعة و القبح فيقول:

عِشْ للجمالِ تراهُ العينُ مؤتلقاً          في أنجمِ الليلِ أو زهرِ البساتينِ [20]

الجمال موجود في كل مكان: في الربى ساعة الأصيل، وفي الجبال وقت المساء حين تبدو وكأنها رهبان عابدون في مسوح سود، وفي السواقي حين تثرثر وتناغي كالأطفال الأبرياء، وفي البروق وهي تضحك كضحك المجانين، ونجده يقول:

لا حِينَ للحسنِ ، لا حدٌ يُقاسُ بِه             وإنَّما نحنُ أهلُ الحـدِّ والحيـــــنِ

عِش للجمالِ تراهُ هَهُنا وهـــــــــــــنا                 وعِشْ له وهو سرٌ جِدُّ مكنـونِ

خيرٌ وأفضلُ ممـن لا حنينَ لــــهم                إلى الجمالِ، تماثيلٌ من الطينِ [21]

ومن أبدع قصائد أبي ماضي التي من هذا النوع ، تلك التي بعنوان ( ابتسم ) والتي منها:

قالَ : ( السماءُ كئيبةٌ ) وتجهَّما قلتُ :                     ابتســــمْ يكفي التجـــهُّم في الســـــــــــــــــما

قالَ : ( الصِّبا ولَّى ) فقلتُ له : ابتسم                      لن يُرجع الأسفُ الصبا المتصرِّما

قال: التي كانتْ ســــــمائي في الهوى            صارت لنفسي في الغرام جــهنَّما

خانت عــــــهودي بــعدما ملَّكتُــــــــــــــها              قلبي فكيـــــفَ أُطيقُ أن أتبسَّــــما

قلتُ: ابتســــــــمْ واطــــربْ فلو قارنتـــها                          قضَّـــيت عُمــــرك كلــــَّه متألِّــــــما

قالَ: العدى حولي علتْ صيحاتُهُمْ          أأسرُّ والأعداءُ حولي في الحمى؟ [22]

وهذه القصيدة تسير على طريقة مبتكرة من الحوار المحكي في صيغة القول، حوار بين الشاعر وصاحبه الذي أثقلت قلبه الهموم وقضت على روح التفاؤل والبشر عنده، فهو مغموم دائماً كثير التفكير فيما يعتريه من أحداث وما يعترض سبيله من عقبات، فشبابه قد ولى، وتصدّ له الأعداء ينالون منه ويكيلون له السباب ، وبينما هو منغمس في هذه الهموم والمصائب حلّ العيد وبدت على الناس فرحته ، وتذكر صاحبنا واجبه تجاه  أصدقائه وأحبابه الذين قد أسلفوا معه ووضع يده في جيبه فإذا هي فارغة ليس فيها درهم من نقود ، فكيف له بعد كل هذه الأحوال أن يبتسم ويبتهج ، وأنى لآلامه أن تزول ؟ ولكن الشاعر يرد عليه عند كل سؤال بما يبعث في نفسه الأمل ويجلب إلى قلبه الطمأنينة والصبر ، ويختم قصيدته بقوله :

قلتُ : ابتسمْ ما دامَ بينكَ والردى         شبرٌ فإنَّكَ بعد لن تتبسما[23]

وإذن فالحياة عرض زائل ، وما عيشة المرء فيها إلا مرحلة لها نهايتها .

وكعادة أبي ماضي دائماً يستنتج حكمه ونظرياته من مظاهر الطبيعة المختلفة وجمالها ورونقها وطيب عبيرها. وهو لا يرى فيها إلا ما كان جميلاً مغرماً ، فيدعو صاحبته إلى الابتسام كما يفعل الورد في الصباح والنجم إذا جنّ المساء ، ثم يقول لها :

وإذا ما كفـــــن الثلـــج الثـــــرى                                   وإذا ما ســــتر الغيم السمــــــاء

وتعرى الروض من أزهــــــــــاره                   وتوارى النور في كهف الشتاء

فاحلمي بالصيف ثم ابتسمي               تخلقي حـــــولك زهــــرا وشــــــذاء[24]

ويقبل العيد مرة أخرى ، فينظر أبو ماضي حواليه فيجد الناس عابسين متجهمي الوجوه ، فيعجب كيف يتصرفون هكذا في يوم عيد ، فما بالهم في بقية الأيام ؟ فيخاطبهم في مقطوعته : ( إنما الغبطة فكرة ) فيقول :

أيها الباكي ، رويــــــداً       لا يســــد الدمــــــع ثغــره

أيها العابس ، لن تعــ      طي على التقطيب أجره

لا تكن مراً، ولا تجــ          ـــعل حياة الغير مــــــره

إن من يبكي له حو         ــل على الضحك قـــدره

فتهــــــــــــلل وترنـــــــــم          فالفتى العابس صخره

ســــــــكن الدهر وحا          ـــنت غفلة منه وغـــــره

إنه العيد .. وإن الـ          ـــعيد مثل العرس مــــره [25]

     والقارئ لشعر أبى ماضي يجده استخدم نداءات إنسانية ــ في بعض قصائده ــ تهز النفوس بحنان عذب، وتحرك القلوب مثل: أخي ، رفيقي وغيرها من هذه التعابير النبيلة والمشاعر الرقيقة مثل قوله:

                   يا رفيقي ! أنا لـــــــولا أنت ما وقعت لحنـــاً                   كنت في ســـــرى لما كنت وحدى أتغــنى

                   هذه أصـــــداء روحي، فلتكن روحك أذنا                   ربما كنت غنيـــــا، غير إني بــــــــــك أغـنــــى

يا رفيقي!أنت إن راعيت فجرى صار أسنى [26]

     وهذه القصيدة تحوم حول معنى حنون واحد ، فيه أجمل وأنبل ما يمكن أن ينبغي به قلب من معانى المحبة والأخوة والعواطف الإنسانية .

    وقد تحدث أبو ماضي عن الكرم وأن الإنسان لا يرضى لأخيه إلا ما يرضاه لنفسه في قصيدته (الكريم ) :

                       إن الكريـــم لكالربيع تحبه للحســـــن فيـــــــــــــــــــــه

                        وتهش عند لقائه ، ويغيب عنك فتشتهيــــــه

                        لا يرتضى أبدا لصاحبه الذى لا يرتضيــــه

                        وإذا الليالي ساعفتـــه لا يدل ولا يتيــــــه

                        وتراه يبسم هازئا في غمرة الخطب الكريه

                        وإذا تحرق حاسدوه ، بكى ورق لحاسديه

                                     كالورد ينفح بالشذى حتى أنوف السارقيه[27]

     كما دعا أبو ماضي الإنسان إلا البذل والعطاء ، وأن يكون ذو فائدة في مجتمعه، فإذا ما خلا من  فائدة كان الزوال به أجدر والفناء به أحق فصور هذه المشاعر الإنسانية في قصيدته (التينة الحمقاء):

        وتينة غضــــــــــــة الأفنــــــان باســـــقة           قالت لأترابها والصيف يحتضر

        لأحبســــــــن على نفســـــى عوارفــــها           فلا  يبين لــــها في غيــــرها أثر

        وظلــــــــت التينة الحمقــــاء عاريـــــــة           كأنها وتد في الأرض أو حـــجر

       ولم يطـــــــق صاحب البستان رؤيتها            فاجتثها فهوت في النار تستـــعر

      من ليس يسخو بما تسخو الحياة به       فإنه أحمق  بالحرص ينتــحر[28]

     وينعى أبو ماضي على البشر أنانيتهم وإذا رأى زهرة ذابلة في قارورة حزن لها وبكى عليها وخاطبها:

      أيا زهرة الودى الكئيبة أننــــــــــــي        حزين لما صرت إليه كئــــــــــيب

     وأكثر خوفي أن تظني بنى الورى        سواء وهم مثل النبات ضروب

     سيطرحك الإنســــــــــان خارج داره        إذا لم يكن فيك العشـية طيب [29]

وفى شعر أبى ماضي ما يدعو للقناعة يقول في قصيدته (كم تشتكى):

     كم تشتــــــكى وتقـــــول إنك مـــعدم        والأرض ملكك والسماء والأنجم

     ولك الحقــــول وزهرهــــا وأريـــجها        ونســــــــــــــــــــــــــيمها والبلبــــــــل المتــــرنم

    إن كنت مكتئبا لـــعز قد مضــــــى         هيهات يرجــــــــعه إليـــــــــــك تنـــــــــــدم

    أو كنت تشفق من حلول مصيبة        هيهات يمنـــــع أن يحـــــــــــل تجــــــهم

    أو كنت جاوزت الشباب فلا تقـــل        شــــاخ الزمـــــــان فأنه لا يـــــــهرم [30]

      وفى قصيدته (المساء) يدعو الإنسان ليمنح نفسه مساحة من الأمل والحلم ويستمتع بحياته قبل فوات الأوان :

         فأصغى إلى صوت الجداول جاريات في السفوح

        واستنشــــقى الأزهـــــار في الجـــــــــــــنات ما دامت تفوح

        وتمتعي بالشــــــهب في الأفـــــــــــــــــــــــلاك مادامت تلـــــــوح

        من قبل أن يأتي زمـــــــــــــــــــــــــــــان كالضباب أو الدخان

                  لا تبصرين به الغدير

                   ولا يلــــــذ لك الحرير

        لتكن حياتك كلـــــــها أمــــــــــلأ جـــــميلاً طيــــــباً

       ولتملأ الأحلام نفســـك في الكهولة والصـــــــــبا[31]

     والمادة لا تعنى لأبى ماضي الكثير أو القليل فهو شاعر يعيش بالروح ويهتم بالنفس وأن الإنسان لا يقاس بماله وإنما يقاس بجوهره وروحه ، وصور ذلك في قصيدة (الغراب والبلبل):

      ليس الحظوظ من الجسوم وشكلها    الســــــر كل الســـــــــــر في الأرواح

     والصوت من نعم السماء ولم تــــكن     ترضى  السماء إلا عن الصداح[32]

     وفى قصيدة (الغدير الطموح ) نزعة إنسانية تؤكد أن كل إنسان يفعل ما في استطاعته، ولا يكلف نفسه ما ليس من طبعها :

     قال الغـــــــــدير لنفســـــه          يالــــــيتنى نــــهـــــــــــــــــر كبــــــــــير

    مثل الفــــــرات العذب أو          كالنيل ذي الفيض الغزير

    تجرى السفائن موقرات          فيه بالـــــــــــــــــــرزق الوفـــــــــــــــــــير

    هيهات يرضى بالحقير          من المنى إلا حقيــــــــــــــــــر [33]

     ونلاحظ أن أبا ماضي رسم لنا صورة حية وقدم لنا نماذجا من الشعر العذب الجميل ، وقد علمنا حب الإنسانية والسمو بها لأن فيها ما يطهر النفوس ويجعل منها هياكل طاهرة للحب الذى يسع كل المخلوقات ، لذلك تجد قصائده محببة إلى النفوس . وفى شعره خدمه للمجتمع الإنساني ومعالجة لمشكلات شتى وتحقيق قيم فاضلة.

اليأس :

تبتدئ مظاهر اليأس عند الشاعر في شكل يأس من أمته ووطنه عندما نزح عن دياره واتجه إلى مصر أول الأمر ، وقد عبر عن هذا اليأس بقصيدة من جيّد شعره ،ومطلعها :

        أزفَّ الرحيل وحان أن نتفرّقا      فإلى اللِّقا، يا صاحبي، إلى اللِّقا[34]

ويأسه من وطنه دفعه إلى الهجرة فقال :

       وطن أردناهُ على حُبِّ العُلى      فأبى سوى أن يستكينَ إلى الشَّفَا[35]

ويائسُ من بني وطنه :

        شعبٌ كما شاء التخاذلُ والهوى        مُتفرِّقٌ ويكاد أن يتمزَّقا [36]

ويائس من الحكم والحكومة فيقول :

      وحُكومةٌ ما إنْ تُزحزحُ أحــــــــــــمقا        عن رأسها حتى تولى أحمــقا[37]

ويائسٌ من أوضاع العرب جميعاً فيقول :

      بغداد في خــــــطر ومصرُ رهيــــنةٌ        وغدا تنالُ يدُ المطامع جِلَّــــقا [38]

ثم يبلغ اليأس منه مبلغاً كبيراً فيقول :

     كُلَّما فــــــــكرتُ في حاضـــــــــــــــرنا          عاقني اليأس عن المســــتـقبل

    قدْ مشى الغَرْبُ على هام السُّهى          ومشيْنا في الحضيض الأسْـفَلِ [39]

ولكننا نجد عنده في قصيدة :(برّدي يا سحب) لوناً من ألوان اليأس مكسواً بثوب من أثواب الحكمة حيث يقول :

      رَضيَتْ نفسي بقســــــمتها         فليرادوْ غيري الشُّــــــهُبا

     ما غدٌ ؟ يا من يصـــــــوره        لي شـــــيئاً رائعاً عَجــــــبَا

     ماله عينٌ ولا أثــــــــــــــــــــــرٌ        هو كالأمس الذي ذهــــبـا

     ما على منْ لا يطيقُ يرى        نــــــوَّرَ الوادي أو إكـــــتأبا

     ما يفيدُ الطير في قفـــصٍ        ضاق هذا الجوُّ أو رَحِبا؟[40]

 

وهذا المنحى في شعره قاده إلى التساؤل حول أمور كثير أولها (النفس)، ولا ريب أنّ شاعرنا اطلع على قصيدة (ابن سينا ) في هذا الموضوع ، التي يقول عنها عميد الرابطة القلمية جبران خليل جبران: (ليس  بين ما نظمه الأقدمون قصيدة أدنى إلى معتقدي وأقرب إلى ميول الفلسفية من قصيدة ابن سينا في (النفس) والتي مطلعها :

      هبطت إليك من المحل الأرفع     ورقاءُ ذاتُ تعزّزً وتمنعِ [41]

وبعد ذلك حاول أبو ماضي أن يعارضها ليصل إلى نتيجة مفادها أن النفس مع الانسان وليست منفصلة عنه . ويقول  في قصيدته (النفس )وهي من أورع قصائد أبي ماضي فيقول :

       أنا لستُ بالخنســـــــــاء أول مولع      هي مطمعُ الدنيا كما هي مطمعي

       فتّشتُ جيب الفجر عنها والدُّجى      ومددت حتى للكواكـــــــــــــب إصبعي [42]

وأخذ يسائل نفسه عن جوهرها وحقيقتها :

      ألمحتها في صورةٍ ؟..أشهدتـــــها            في حالةٍ؟..أرأيتها في موضعِ؟ [43]

يستشعر جمالها من خلال نفسه :

     إني لذو نفس تهيــــــمُ وإنّها       لجميلةٌ فوق الجـــــــــمال الأبدعِ [44]

ثم توهم أنه عرف شيئاً عنها فهي كالصَّوت :

     ويزيدُ في شوقي إليها أنها          كالصَّوت لم يُسفرْ ولم يتقنَّع [45]

وهي بعد محجوبة إلا عن المتزهد :

      قالوا : تورَّع إنها محجوب          إلا عن المتزهد المــــــــــــتورِّعِ [46]

وزاد شوقه إلى معرفتها فرنا إليها في نومه يطلبها قائلا :

    وهجعتُ أحسب أنها بنت الرؤى      فصحوت أسخر بالنيام الهجَّعِ [47]

ثم حسبها زهرة ونجماً:

    لما حلمتُ بها حلمتُ بزهـــــــــــــــرة       لا تجتني وبنجمةٍ لم تطلــــع [48]

ثم ظنها في البرق والرعد والغيم، وعندما عجز عن الوصول إلى اليقين بكى فرآها في أدمعه ليخلص إلى القول:

   وعلمتُ ، حين العلم لا يجدي الفتى      أنَّ التي ضيَّعتها كانت معي [49]

وتبلغ النزعة الفلسفيَّة ذروتها في نتاج شاعرنا  في الحيرة والذهول عن الكون وعن موقعه فيه حتى ليبدو (لا أدرياً) على طريقته الخاصة، وفي تجاذب نفسه المضنى بين التفاؤل و التشاؤم .

والتفاؤل والتشاؤم وجهان لشخصية واحدة وهي عند  أبي ماضي تنضح بالإنسانية والبحث عن الفرح والمرح في الوجود عن طريق التساؤل المستمر .

والإنسانية في مفهومها العام، هي نظرية واسعة إلى الحياة ، وإلى الوجود، وعلى الأخص إلى المجتمع البشري ، وهي الحلم الأكبر الذي يراود أخيلة المفكرين والشعراء والفلاسفة ، وكل ذي قلب كبير، وضمير حي .

ومن معاني هذه الإنسانية في ما يتعلق بالجنس البشري : نشر المبادئ السامية والمثل العليا ين الناس، ومحاربة النظم التي تباعد بين الإنسان وأخيه الأنسان، والعمل على خلق مجتمع إنساني يسوده العدل والرحمة والمحبة،  وعلى تخفيف الشقاء الإنساني  وتصوير الحياة بصورة محببة إلى النفوس  . أو بكلمة أخرى : المحبة الصحيحة لكل ما في الوجود ، بغير تفضيل أو تفريق .[50]

والذي يقرأ شعر أبي ماضي يقف بجلاء على مدى تغلغل الروح الإنسانية في أدبه فمن ذلك قوله في قصيدته (ابتسم):

    قال : السماءُ كئيبةٌ !وتجــهَّما        قلتُ: ابتسم ، يكفي التجهُّمُ  في السما

    قال :  الليالي جرعتني علقما        قلت :ابتسم ولئن جـــــــرعت العلقـــــــــــــما

    فلعلَّ غيرك إنْ رآك مـــــــــــرنما        طرح الكـــــــــآبة جانبا وترنـــــــــــــــــــــــــــــــــما [51]

 وقد توصل أبو ماضي في معراجه الشعري التأملي إلى حالة من (اللا أدرية الذاهلة ) فتزاحمت في رأسه التساؤلات ، فمدّ أصابعه إلى غور نفسه يتلمس ما هجع منها تحت أكداس السنين : من أنا ؟ من أين جئت ؟ كل هذه أسئلة ستبقى سرمدية ، وسيبقى الجواب عنها مبهماً إبهاماً سرمدياً، أسئلة بدأ يطرحها في ديوانه الثاني :

     أفكر كيف جئتُ ؟وكيف أمضي          على رغمي ؟ فاعياً بالجـواب

     واتيتُ ولم أكن أدري مجيئـــــــــي          وأذهب غـــــــــــــير دار بالإياب

     إذا كان المصيرُ إلى التلاشــــــي          فلم جئنا وكُنا في حــــــــجاب؟

     وإن كان المصيرُ إلى الخلــــــــود          فما معنى المــــــــنيةُ والتباب؟

     أمورٌ لا يحيط بهن فكـــــــــــــــــــــرٌ          ولو أمسى يحـــــيط بكل باب!! [52]

وتبلغ هذه التساؤلات ذروتها في ملحمته المميزة (الطلاسم) :

                    جئتُ لا أعلم من أين ولــــكني أتيتُ

ولقد أبصرتُ قدَّامي طريقاً فمشــــيت

وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيت

كيف جئتُ؟ كيف أبصــــــرتُ طريقي؟

لست أدري[53]

وتنهمر الأسئلة متتابعة محرورة ، مشبوبة ، متشوقة لمعرفة متعطشة لبلوغ الحقيقة ، أسئلة تمثل لنا حكاية الإنسان الباحث عن ذاته ، عن كينونته ، عن بداياته ومصيره ، أمسير هو ؟ أم مخير ؟ أجديد أم قديم ؟

وتقود الحيرة الشاعر إلى البحر، والدير والمقابر والقصور ...ويتمنى أن يعرف من هو ؟ أنغم في وتر ؟ أموجة في بحر ؟ أأريج من زهر ؟ أخفيف الورق ؟ أهبوب النسيم ؟ وينثني ليرتمي في أحضان القلق و التوتر والشعور باليأس والألم الذي هو صميم اليقين فيقول :

أنا لا أذكُرُ شيئا عن حياتي الماضية

أنا لا أعرف شيئاً عن حياتي الآتيــــة

لي ذاتٌ غير أني لسْتُ أدري ماهيـــهْ

فمتى تعــــــــرفُ ذاتــــــــــي كُنه ذاتــــــــي

لست أدري !

إنني جئــــت وأمضـــــــــــــــي وأنا لا أعلمُ

أنا لُغزٌ ، وذهابي كمجيئي طلســـمُ

والذي أوجد هذا لا اللُّغزٌ لُغزٌ مُبـــــهمُ

لا تجادلْ...ذا الحجا من قال : إني

لستُ أدري![54]

وهكذا يخلص الشاعر إلى أن الحياة لُغزٌ وسر كيانها أن تبقى لغزاً يقف الإنسان حياله حائراً متأملاً مردداً مع الشاعر : لستُ أدري !!

ويبدو للباحث أن هنالك صراعاً عنيفاً بين الشاعر وأحاسيسه ، فهو رسولٌ من رسل الإنسانية العميقة التي تحب الحياة كل الحب ، لا طمعاً بالحياة ولكن لأنها خير مطلق كما قال العالم رامبو : الحياة طيبة ، إني أُبارك على الحياة !!

وإذا أمعنت النظر في شعر أبي ماضي تجد نزعة حكيمة فلسفية واضحة المعالم، فنجده، حر المذهب ، متجاوز عن الإساءة ، بعيد عن التعصب، لا يؤخذ بالمظاهر الخادعة  ، ينصر الضعيف . يقول في قصيدته (أنـا) :

   حرُّ ومذهبُ  كل  حرٍّ  مذهبي             ما كنت بالغاوي ولا المتعصــــــب

   إني  لأغضبُ  للكريم  ينوشــــه             من دونهُ، وألومُ من لم يغضـــــب

   وأحــــــب كل  مهذب  لـــــــو  أنه             خصمي وأرحم كل غير مهــــــذب 

   يأبى فؤادي أن يميل إلى الأذ               حبُّ الأذية من طباع العـــــــــــقرب

  أنا لا تغشــــــــني الطيالسُ والحلي            كم في الطيالس من سيقم أجرب

  أنا من ضميري ساكنٌ في  معقل            أنا من خلالي ســــــائر في موكب  [55]

ونجد أن لأبي ماضي نزعة فلسفية عميقة  في الحياة والتأمل في مظاهرها، تعكس تجربته الفنية وتنضح بمعاني الإنسانية السامية في مفهومها الذي أشرنا إليه .

 

النفس والخلود :

لقد غادر كل من شعراء المهجر بلاده العزيزة عليه إلى بلاد أخرى بعيدة نائية لم يكن في حسبانه يوماً أنه سيراها، وترك كل منهم في الوطن أمَّاً ثكلى نائحة وأباً حزيناً يائساً وإخوة صغار يرجون العون، ويتطلعون إلى من يأخذ بيدهم في ذلك السبيل الشائك الذي كان عليهم أن يقطعوه . ثم إنه غادر إلى جانب هؤلاء إخوةً وخلاناً طالما قضى معهم الليالي في سمر ولهو وسرور، فإذا هو اليوم وحيد ولا أحد يسليه، حزين وما من يزيل غمه ويفرج كربته، فقير ولا يوجد من يعينه، ولكنه يحمل نفساً أبية وبين جنبيه قوة وعزماً، فما عليه إلا العمل والكفاح في سبيل الحياة، ولقد جاء أبو ماضي إلى أمريكا والأمل حاديه والأماني العذبة تملأ جوانحه، صوروا له في الوطن أن أكياس الذهب تنتظره على رصيف الميناء، ولكن سفينة رست في العالم الجديد فلم يجد ذهباً ولا فضة، ووجد قوماً يتدافعون ويتسابقون في سبيل الحصول على بعض هذا الذهب الموعود، فكان عليه أن يكدح ويعمل ويسابق ويدافع مثلهم. لم يجد الكفاح سهلاً ولا الطريق ميسراً، فقاسى وتألم وضاق بعيشه وتذمر، وحنّ لبلاده وعهده بها، ولكنه لم يستطيع إلا الصبر ومواصلة الجهاد.

إنها لحياة قاسية، ليس أبدع من تصويرها في شعر رقيق كشعر أبي ماضي لا تهمه المادة والشكل بقدر اهتمامه بالروح والجوهر. ونراه في خمائله يخاطب نفسه الثائرة المتمردة على ما في الحياة من مظاهر خلابة تغري الناس فيقبلون عليها دون روية أو تفكير، ولكن نفس إيليا بفراستها وإمعانها في التأمل والنظر تعرف كل شيء فلا تهتم بما يهم الناس ولا يطربها ما يطربهم فيقول :

           يا نفسُ لو كنتِ تَرَيْنَ الشُّـــؤونْ     كما يراها ســائِرُ الناسِ

          لَما رمَاني بَعضُهم بالجنونْ ولم     أجدْ في الناسِ من يأس[56]

ولكن في النهاية يؤنبها على إيغالها في البعد عن الناس مبالغتها في المخالفة والخروج على المألوف من عاداتهم ، وينكر عليها ذلك فيقول :

         خالفتُ مقياس الورَىَ أجْمعِينْ          فكيف يرْضَوْنَ بمقياسي؟[57]

ويقرر أمامها تلك الحقيقة التي قد تكون غافلة عنها وهي أنه :

ما برحَ الناسُ كما تَعْلَمِينْ          ولم أزلْ فـــــــــــرْداً منَ الناسِ [58]

أبو ماضي يؤمن بالخلود إيماناً قاطعاً وقد لمسنا ذلك منه في لمحة واحدة ، وهذا يؤكد ما ذهب إليه الباحث في عدم وضوح رأي الشاعر في هذا الموضوع الخطير عندما قال :

هَاتِ اسقِني الخَمرَ جَهراً        ولا تُبــــالِ بما يَكونْ

إنْ كانَ خيرٌ أو كان شرٌ        إنَّا إلى اللهِ راجِعونْ [59]

ونجده في غير هذه اللمحة ينكر الخلود إنكاراً رهيباً ، ولا يقره ولا يعترف به ، حيث يقول:

لا خلودٌ تحتَ السماءِ لحيٍ     فلماذا تُراودُ المُستحيلا ؟ [60]

وفي موطن آخر يقول :

خلّ الغــــرورَ بما لديك فإنَّما       دُنياكَ زائلةٌ ونفسُكَ فانيـــــــة

لو أنّ حَياً خالداً فوقَ الثرى      ما ماتَ هارون وزال معاوية [61]

ولا يقف الأمر عند هذا الحد ، بل نجد أن أبا ماضي يتجاوز هذه الحدود ويقول :

غَلِطَ القَائلُ أنَّا خَالِدُون     كُلُّنَا بَعدَ الرَّدَى هيِّ بنُ بيُّ [62]

وفي نفس الموشح نجده يقول :

إنَّما القولُ  بأنَّا   للخُلودِ       فكرةٌ أوجدَها حبُّ البَقَاء[63]

ثم :

إذا كنتَ لا تستطيع الخلود      فعش بيننا أثراً طيــــــــباً [64]

وبعد هذا نجد الفكرة تسير في ركاب شعره حتى في ديوانه الثالث الجداول ، إذ تسمعه يقول :

إن تكُنْ للخـــــــــــــلودِ ذاتكَ  في الدنيا         فماذا الأمرُ الذي تهواهُ

وإذا صرتَ غير شخصِكَ في الأُخرى         فهذا الفنا الذي تخشاهُ

في الترابِ  الذي   تدوس علــــــــــــيه        الفُ دنيا وعالَمٍ لا تـــــراهُ [65]

ثم :

  يا من تحنّ إلى غدٍ في يومِه    قد بعتَ ما تدرِي بما لا تَعلم[66]

ونقف بعد ذلك مع الشاعر في ( الموت ) ونلاحظ أنه قد وفى الموضوع حقه في قصيدته التي عارض فيها قصيدة المعري في رثاء والده ...

برغمـــــــــك  فارقت  الربوعَ   وإننا        على الرغمِ منا سوف نلحقُ بالظعنِ

طريقي مشى فيها الملايينُ قبلنا         مِن الملِكِ السامي إلى  عبدهِ  القنّ

نَظُنُ لنا الدنيا وما  في  رِحابِها         وليست لنا إلا   كما البحرُ للســـــــفنِ [67]

وقال عن الموت :

فأصدقُ أهل الأرضِ معرفــــــة به     كأكــــــثرهم  جهــــلاً ، يُرجـــــــمُ  بالظّنِ

فيالكَ سفراً  لم يزل جد غامضٍ     على كثرة التفصيل في الشرح والمتن[68]

ويصور لنا الشاعر إيليا أبو ماضي في قصيدته ( الدمعة الخرساء) مقابلته لفتاة حزينة حائرة تناوبتها الشكوك أمام فكرة الموت التي لا تبقي ولا تذر، وأخذ منها الأسى حين رأت جماعة من النسوة يبكين صبية انتزعها الموت من بينهن دون رحمة ولا شفقة. وأظلمت الدنيا في وجه الفتاة واكفهر عيشها وأصبحت تنظر إلى الحياة نظرة سوداء ملؤها التشاؤم والحقد. ولكن الشاعر سرعان ما طيب خاطرها وهدأ شكوكها، وما زال بها يصف لها الحياة وما وراءها من خلود ونعيم ، حتى اطمأن بالها وهدأت أحوالها، فأحس الشاعر بالغبطة والبهجة لنجاحه في إقناعها وتهدئتها فقال :

ثم افترقْنا ضاحِكَين إلى غـــدٍ        والشُّهْبُ تهْمِسُ فوْقنا وتُشيرُ

هي كالمسافرِ آبَ بعد مشقَّةٍ       وأنا  كأني  قائدٌ   منصــــــــورُ [69]

ولكن ما كاد الشاعر يأوي إلى مضجعه حتى شعر بالضيق والحرج ، وإذا الفراش خشن وهو وثير ناعم، وإذا بالسراج يكاد ينطفئ أمام عينيه ، وطمست سطور الكتاب بين يديه فهو لا يكاد يراها ، وحامت حوله الشكوك وانقطع حبل الرجاء ، فإذا الدنيا حوله ظلام في ظلام ، وإذا هو يردد مع تلك الفتاة التي اطمأنت بإيهامه بعد ما انتقلت شكوكها اليه :

أكذا نموتُ وتنقضي أحلامُنا        في لحظةٍ وإلى الترابِ نصيرُ؟ [70]

وفي مقطوعة أخرى بعنوان ( أنت والكأس ) يعترف بشكه حتى في الحب الذي هو من أنبل العواطف ، ويحرج محبوبته بتساؤله وبإنكاره عليها أن تحبه يوماً وفي كل أحواله، حتى لقد نصحته حين ضاقت بشكوكه :

   قالت الشكُّ آفــــــــةُ    الحُبٍّ فانْبِذْهُ تَسْعَدِ [71]

ولكن من أين له السعادة ، وهو دائماً مفكر شاك مرتاب؟ ولقد دفعت كثرة تفكير إيليا ابو ماضي في النفس والخلود ، أن يتخيل عالماً سماوياً يختلف عن العالم المادي الذي يعيش فيه ومـــــــــــــــــصدره

(النفس)، فقد أحس أن جسمه المادي المحسوس لن يترك هذه البلاد ولا يمكنه مغادرة ما حولها ومن حولها ، فاختار رحلة خيالية تصعد فيها النفس إلى ذلك العالم المختار (عالم الرعب) الذي حن إليه وأبدع في وصفه.

ويسمي أبو ماضي عالم الخلود (نار القرى) ويجد الطريق إليها طويلاً صعباً وبينها وبينه حجبٌ كثيرة لا تنكشف لأنها حجبٌ خيالية غير محسوسة فيقول:

كيف الوصولُ إليكِ يا نارَ القرى      أنا في الحضيضِ وأنتِ في الجوزاءِ

لي ألفُ باصِرَةٍ تَحِنّ كما تــــرى         لكنَّ دونك ألفَ ألف غٍــــــــطاءِ

لو من ثرى مزقتُها بِيَدِ الثــــرى         لكنّها ســـــجُفٌ من الأضْـــــــواءِ[72]

ومهما يكن من أمر ، فقد كان لا بد له من أن يعيش في هذا العالم بواقعه وغرائبه وعجائبه ، وأن ينفس عن نفسه بوصف هذه الحياة وما انطبع في مخيلته من تأثر وتفاعل فكان معظم إنتاجه الأدبي يمثل شعوراً بالوحدة والألم وهروب من الواقع وتحليق في دنيا الخيال.

وهنا نلتقي عنده بالطبيعة، ولعل أبا ماضي أكثر شعراء المهجر إيماناً بهذه النزعة الإنسانية، حيث نراه يتأمل الطبيعة ويطيل التأمل، ويتتبع كل ظاهرة فيها فيخرج من تأمله وتتبعه، بدروس في المنفعة وحب الخير قد لا تجود بها عليه سوى الطبيعة نفسها. يعجبه في هذه الطبيعة أنها لا تفرق بين غني ولا فقير ولا بين خير وشرير، فنجومها تضئ في الليل وترشد بضوئها كل من ضل الطريق سواء أكان بائساً متحسراً أم هانئاً مسروراً، والنهر يبذل ماؤه للجميع لا يبتغي على بذله جزاءً ولا شكوراً ، والطل الذي تجو به السماء في الصبح الندي يبل بمائه الوردة ولا يحرم من قطراته الشوك، والمطر نفسه ينزل في كل مكان ويروي السهول والصخور، بل إن هذه النباتات التي تعيش على غذاء الأرض لا تحرمها الأرض شيئاً من غذائها سواء أكانت نباتات لئيمة متطفلة أم جميلة نافعة .

وينظر أبو ماضي إلى وردة ذابلة فيرى فيها مأساة الدهور، ويشاهد طفلاً راكضاً وراء الفراشة فيرى فيه أسرار الكون ويسير في الحقل فيسمع أغاني البلابل والشحارير وليس هناك شحارير ولا بلابل ، ويمشي في العاصفة فيخوض غمار معركة هوجاء بين جيوش الأرض وفيالق السماء.

ويستثير نفس شاعرنا منظر اليتيم الهائم على وجهه مشرداً طارق الأبواب ولا يجد مكاناً يسند إليه رأسه فينحى باللائمة على الهيئة الاجتماعية التي تشيح بوجهها عن يتيم لطيم ما رفت عينه لحنان أم ولا لعطف أب . ليس اليتيم في نظر شاعرنا من فقد أباه وأمه بل اليتيم الحقيقي هو يتيم المجتمع الذي أخلى قلبه من الشعور الإنساني . يقول في قصيدة ( اليتيم ) :

خبِّروني ماذا رأيتم ؟ أأطفالا          يتامى أم موكباً علـــــــــويا

كزهـــــــورِ الربيع عَــــــرفا زكيَّا          ونجومُ الربيعِ نوراً ســـــنيا

والفراشــــاتِ وثبةً وســـــــكونا          والعصافير بل ألذَّ نجــــــــيَّا

إنًّني  كلما  تأملتُ  طِفــــــلاً          خلت أني أرى ملاكا سويَّا

   فأعينوهُ كي يعيشَ وينمُو        ناعمُ البالِ في الحياةِ رَضِيا[73]

وتبلغ النزعة الفلسفية ذروتها في نتاج شاعرنا في الحيرة والذهول والتساؤل عن الكون وعن موقعه فيه حتى ليبدو ( لا أدرياً ) على طريقته الخاصة ، وفي تجاذب نفسه المضني بين التفاؤل والتشاؤم .

والتفاؤل والتشاؤم وجهان لشخصية واحدة هي عند أبي ماضي تنضح بالإنسانية والبحث عن الفرح والمرح في الوجود عن طريق التساؤل المستمر .

والذي يقرأ شعر أبي ماضي يقف بجلاء على مدى تغلغل الروح الإنسانية في أدبه ، فمن ذلك قوله :

قال : البشاشة ليس تسعد كاـــئنا        يأتي إلى الدنيا ويذهب مرغما

قلت :ابتسم مادام بينك والردى          شبر فأنك بعد لـــــن تتبسمـــــــا [74]

ويبدو للباحث أن هنالك صراعاً عنيفاً بين الشاعر وأحاسيسه، فهو رسول من رسل الإنسانية العميقة التي تحب الحياة كل الحب، لا طمعاً بالحياة، ولكن لأنها خير مطلق كما قال العالم رامبو: الحياة طيبة ، إني أبارك على  الحياة !!

ونجد أن لأبي ماضي نزعة فلسفية عميقة، تعكس تجربته الفنية وتنضح بمعاني الإنسانية السامية في مفهومها الذي أشرنا إليه .

وخلاصة القول إن النزعة التفاؤلية تشكل جامعاً مشتركاً بين دواوين أبي ماضي لا تكاد تغيب عن واحد منها يدعو إلى مجابهة الحياة ومصاعبها بالابتسامة ، فنجده يقول :

        إذا انا لم أجد حقلاً مريعاً      خلقت الحقل في روحي وذهني

        فكادت تملأ الأثمار كفي       ويعبق بالشـــذى الفواح   ردني [75]

وعلى مثل هذه القدرة الجبارة في الخلق والإبداع نشأ الشاعر أول نشأته الأدبية ، فهو الذي يبدع كونه الخاص ورياضه الغناء ومجاليه الساحرة الفاتنة ليرتع في أفيائها وظلالها ومفاتنها مهما قست الحياة وأظلم الواقع وافتقد الأمل !

انظر لقصائده: ( ابتسم ) و ( كن بلسماً ) و ( ابسمي ) تجد فيها أمثلة بارعة تريك قدرة الشاعر على أن يرى في كل شر خيراً ولا يرى في أي شر شراً ناهيك عن أن يرى في الخير شراً . وإنك تجد فيها تفاؤلاً بارعاً .

ولو أمعنت النظر في القصائد السابقة، أدركت كيف يستطيع الإنسان أن يخلع على كل مظهر من مظاهر الحياة بهجة ما بعدها بهجة ، وجمالاً ما  بعده جمال !

ويكاد الشاعر يبلغ ذروة الإبداع والقدرة الجبارة على التفاؤل عندما يرى في جهنم ( لمن يخشاها) أنها ليست أكثر من فكرة تاجر ، أما الله – عز وجل – فلا يمكن أن يخلق لنا شقاء فيقول :

            كم روعوا بجهنم أرواحنا          فتأملت من قبل أن تتألما

           ليست جهنم غير فكرة تاجر       الله لم يخلق لنا إلا السما[76]

ويعد أبو ماضي أكثر شعراء المهجر تفاؤلاً ؛ وذلك لما اتسم به شعره من إحساس عميق بمعاني الإنسانية والحياة ، فنجده يقول :

       الشجاع الشجاعُ عنديَ من أمسى      يغنِّي والدمع في الأجفان[77]

الخاتمة:

خلاصة القول فإن النزعة الإنسانية تبلغ ذروتها في نتاج إيليا أبي ماضي، ولقد استقى هذه النزعة من منابعها الحقيقية والأصيلة من الحياة ومن الطبيعة ومن الوجدان، ولذلك جاء شعره معبراً عن قيم إنسانية فاضلة. وأسلوب إيليا أبي ماضي التعبيري بخيالاته الرقيقة الحلوة وعباراته البسيطة الغنية بالموسيقا، قد أحدث في العالم العربي هزة تفتحت لها نفوس الأجيال الجديدة وشعره يواكب المستجدات الحديثة في أدبنا العربي وصدى تتجاوب معه القلوب والعواطف، ولم يكن أبو ماضي يجري على طريقة واحدة في الكتابة، فهو حينا يكتب خيالاً عاطفياً مجرداً، وحيناً أحاسيس واقعية عميقة، وطوراً يخاطب الناس بالأمثال والحكم والمواعظ الروحية تأملياً. غير أن كل هذه الأساليب والطرق التعبيرية تفيض من شخصية متميزة في تفكيرها وخيالها وروحها، وشعره يسري في الوجدان سريان الدم في الجسد.

ومن خلال هذه الدراسة توصل الباحث إلى جملة من النتائج والتوصيات:

النتائج:

- في شعر أبي ماضي قيم فاضلة كالتسامح والحرية والتفاؤل ومساعدة الفقراء، وقد صاغ ذلك في شعرٍ بديعٍ رصين .

- أوضحت الدراسة أن أبا ماضي له قصائد غنية بالجمال، نابضة بالشعور والحياة، يجد فيها المحزون سلوى، والمحروم أملاً، والمتعب ترويحاً، فهي من الحياة وإلى الحياة.

- إن أبا ماضي يتقن المزاوجة بين العقل والعاطفة إتقاناً، فيرى الباحث أنه يفكر بقلبه ويشعر بعقله ، وهذه العلاقة الوثيقة بين الانفعال والعقل جعلته يتجه نحو التأملات والتساؤلات الحائرة في شعره.

- يتمتع أبو ماضي بنزعة صوفية فيها الكثير من الحيرة أدت إلى ظاهرة التشاؤم والتفاؤل في وقتً معاً ، وهذا اضطراب بعينه، تراه باسماً متفائلاً يدعو الغير إلى الابتسام، بينما هو في قرارة نفسه مضطرباً حائر لا يستقر على حال، وفي هذا إنسانية وكرم نفس وعلواً في الأخلاق والطباع . وبعداً تأملياً سامياً في الحياة .

- أوضحت الدراسة أن الغاية من النزعة الإنسانية السمو بالإنسان وذلك بإصلاح النفس والمجتمع والدعوة إلى المحبة الأخوية الصادقة بين أفراد المجتمع والناس.

التوصيات:

-       الاهتمام بشعر أبي ماضي ونشر كتبه في المكتبات.

-       دراسة موضوعات الشعر الأخرى عند إيليا أبي ماضي كوصف الطبيعة.

-       أن تدرس بعض قصائد أبي ماضي في المدارس والجامعات لأنها تحوي قيما إنسانية فاضلة.

 

المصادر والمراجع :

القراَن الكريم

1/ابو ماضي إيليا، الخمائل ، دار العلم  للملانين 1978

 2/ابو ماضي ايليا ، الجداول ، دار العلم للملايين1986

3/الناعوري عيسى ،أدب المهجر، دار المعارف مصر 1119م،الطبعةالثالثة 1977م،ص333 .

4/ صيدح جورج، أدبنا وأدباءنا في المهاجر الأمريكية، معهد الدراسات العربية العالمية، 1956 .

5/ حسن جاد، الأدب العربي في المهجر، الدوحة .

6/ الأطلس العربي العام، سعيد الصباغ، الناشر مؤسسة سعيد صباغ، بيروت، الطبعة منقحة 1974 .

7/مألوف لويس، المنجد، الطبعة الثالثة عشرة، 1990 ، بيروت .

8/ أبو ماضي إيليا، رسول الشعر العربي الحديث ، عيسى الناعوري، منشورات عويدات، بيروت، الطبعة الثانية، 1977.

9/ميرزا زهير، ديوان إيليا أبو ماضي، شاعر المهجر الأكبر، دار العودة الطبعة الأولى .

 10/حمود محمد ، إيليا شاعر الغربة والحنين ، ص 93 .

11/جبران خليل جبران ، المجموعة الكاملة ، مكتبة بيروت ، ج3 ، ص 229 .

12/ اليزبث، الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، منشورات بيروت 1961

13/ عبد البديع نظمي ، أدب المهجر بين أصالة الشرق وفكر الغرب، دار الفكر العربي 1978.

14/ الرازي محمد بن ابي بكر الصحاح تاج اللغة، الجزء الثالث دار الجيل بيروت 1978

15/ابن فارس أبي الحسين احمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون ، بيروت دار الجيل 1991، الجزء الخامس

 

 



[1] الناعوري عيسى، أدب المهجر، دار المعارف مصر1119م الطبعة الثالثة 1977م،ص 333

[2] المرجع نفسه ، ص334

[3] الصباغ سعيد ، الاطلس العربي العام ، الناشر مؤسسة سعيد صباغ، بيروت ، طبعة منفتحة ، ص27

[4] أبو ماضي، الخمائل، ص 61

[5] أبو ماضي ايليا، الخمائل، دار العلم للملايين 1978، ص143

[6] عبد البديع نظمي، أدب المهجر بين أصالة الشرق وفكر الغرب، دار الفكر العربي 1978م ص 13

[7] حسن جاد ، الأدب العربي في المهجر، الدوحة، ص 47

[8] الناعوري عيسى، أدب المهجر ، ص 337

[9] الرازي محمد بن أبوبكر الصحاح، تاج اللغة، الجزء الثالث ، دار الجيل بيروت 1978، ص 14

وانظر : ابن فارس أبي الحسين أحمد ، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام ، بيروت 1991م ص11

[10] أبو ماضي، إيليا، رسول الشعر العربي الحديث ، عيسى الناعوري، منشورات عويدات، بيروت، الطبعة الثانية 1977، ص24

[11] عبد البديع نظمي، أدب المهجرين أصالة الشرق وفكر الغرب، ص15

[12] اليزبث، الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، منشروات  بيروت 1961، ص4

[13] حسن جاد، الادب العربي في المهجر ، ص14

[14] صيدح جورج، أدبنا وأدباءنا في المهاجر الامريكية، معهد الدراسات العربية العالمية، 1956، ص 66

[15] ميرزا زهير، ديوان إيليا أبي ماضي، ص27

[16] المرجع نفسه ، ص 27

[17] المرجع نفسه ، ص 28

[18] المرجع نفسه ، ص 28

[19] أبو ماضي، الجداول ، ص 24

[20] أبو ماضي ، الخمائل، ص21

[21] المرجع نفسه ، ص 27

[22] المرجع نفسه ، ص 31

[23] أبو ماضي ، الخمائل ، ص 18

[24] المرجع نفسه ، ص 18

[25] المرجع السابق نفسه

[26] أبو ماضي، الخمائل ، ص 24

[27] أبو ماضي، الخمائل، ص 24

[28] المرجع السابق نفسه ، ص 38

[29] أبو ماضي ، الخمائل ، ص 31

[30] المرجع نفسه ، ص 34

[31] المرجع السابق نفسه ، ص 38

[32] أبو ماضي ،الخمائل ، ص 41

[33] أبو ماضي، الخمائل ، ص 44

[34] المرجع نفسه ، ص 47

[35] ميرزا زهير، ديوان إيليا أبي ماصي ، شاعر المهجر الأكبر ، دار العودة ، الطبعة الاولى، ص 31

[36] المرجع السابق نفسه، ص 33

[37] المرجع السابق نفسه ، ص 33

[38] المرجع السابق نفسه ، 33

[39] حمود محمد، إيليا شاعر الغربة والحنين، ص 93

[40] أبو ماضي ، الخمائل ص 17

[41] جبران خليل جبران ، المجموعة الكاملة ، مكتبة بيروت ، 32، ص 229

[42] أبو ماضي ، الخمائل ، ص 19

[43] المرجع السابق نفسه ، ص 25

[44] أبو ماضي ، الخمائل ، ص 21

[45] المرجع السابق نفسه ، ص 23

[46] المرجع السابق نفسه ، ص 23

[47] المرجع السابق نفسه ، ص 23

[48] المرجع السابق نفسه ، ص 23

[49] المرجع السابق نفسه ، ص 24

[50] الناعوري عيسى ، أدب المهجر ، ص 79

[51] أبو ماضي الخمائل ، ص 59

[52] المرجع نفسه ، ص 61

[53] المرجع السابق نفسه ، ص 61

[54] أبو ماضي ، الخمائل ، ص 37

[55] أبو ماضي الخمائل ، ص 68

[56] أبو ماضي ، الخمائل ، ص 50

[57] المرجع نفسه ، ص 50

[58] المرجع نفسه ، ص 51

[59] المرجع السابق نفسه ، ص 51

[60] المرجع نفسه ، ص 51

[61] المرجع السابق نفسه ، ص 51

[62] مألوف لويس ، المتجر ، الطبعة الثالثة عشر ، 1990، بيروت

[63] مألوف لويس ، المتجر ، ص 241

[64] المرجع نفسه ، ص 241

[65] أبو ماضي ، الجداول ، ص 71

[66] المرجع نفسه ، ص 71

[67] المرجع نفسه ، ص 72

[68] المرجع نفسه ، ص 72

[69] أبو ماضي ،إيليا ، الجداول ، دار العلم للملايين 1986 ، ص 11

[70] أبو ماضي ، الخمائل ، ص 55

[71] المرجع نفسه ، ص 55

[72] أبو ماضي ، الجداول ، ص 17

[73] أبو ماضي ، الجداول ، ص 16

[74] أبو ماضي ، الجداول ، دار العلم للملايين 1986م ، ص 22

[75] أبو ماضي ، الخمائل ، ص 61

[76] أبو ماضي ، الخمائل ، ص 19

[77] أبو ماضي ، الخمائل ، ص 22